عاجل
Foto

لماذا اختارت الملائكة الأهلي وذهبت الشياطين للزمالك؟!

في طفولتي وعندما بدأت التعلق بكرة القدم، كان والدي رحمه الله "الأهلاوي" وعمي "الأهلاوي أيضًا" يتحدثان معي كثيرًا عن اللعبة الممتعة وتاريخها ونجومها السابقين والأحداث المثيرة التي مروا بها ولم أعايشها.

كان الشغف يملأني وأنا استمع لتلك الحواديت قبل ظهور فيديوهات اليوتيوب وقصص السوشيال ميديا، وكنت مهيئًا دائمًا كطفل لتصديق كل ما يقال لي، ولهذا كان من الطبيعي أن أجزم أنا وملايين غيري من هذا الجيل لما يقال لنا، بأنه على مدار التاريخ امتلك الزمالك أفضل اللاعبين وقدم أحلى كرة، لكن دائمًا لديه أسوأ إدارة، وأن مبادئ وأخلاق وقيم الأهلي وإداراته الملائكية كانت وراء صناعة كل هذا المجد وكل تلك الألقاب.

استمرار الأهلي في التتويج وسيطرته شبه الكاملة محليًا، كان يسهّل التصديق، لا سيما أن الإعلام كان محصورًا في بضعة صحف وعدد قليل من القنوات المحلية، وجميعها تتكلم بنفس اللسان، فالجميع يساند في أوقات الصعاب ويغلق الأبواب أمام أية مشكلة أو أزمة أو حدث لا يوجد من لديه القدرة على كشفه وإعلام الناس به سواهم، وعلى الجانب الآخر يتم التعامل مع أي إخفاق على أنه كارثة حقيقية ويتكاتف الجميع لحلها أو إلقائها في بئر سحيق كي لا يراها أو يتذكرها أحد.

مرت الأيام والسنون واستمر الأهلي في حصد الألقاب يمينًا ويسارًا، وكبر الصغير وجاء موعد الأسئلة التي كان يصعب طرحها فيما سبق.. كيف لكيانين أسسا في نفس التوقيت تقريبا وبنفس الظروف ولكليهما شعبية جارفة -وإن زادت لدى أحدهما قليلا-، ويداران من شخوص من نفس الشعب الذي تلقى نفس التعليم وتدرب على يد نفس البشر، وعاش في نفس الشوارع ومر بنفس الأحداث، أن يكون جزءًا منه يمتلك عقلية أوروبية ويرتقي لدرجة الملائكة فقط لأنه اختار ارتداء الأحمر، أما من انشق عن الصف ومال هواه نحو البياض فهوى، وأًصبح طماعًا ولا ينظر سوى للمصلحة الشخصية وتفرغ للصراعات وصار فوضويًا غارقا في نظريات المؤامرة دون أي مبررات؟!

لم يكن العثور على إجابة لهذا السؤال "الوجودي" سهلًا بالتأكيد، ولكن الأيام هي أكبر معلم وهي الكفيلة بالرد على كل التساؤلات وكشف كل الحقائق والأسرار، فمرور الأيام صنع معه ثورة معلوماتية بسرعة خارقة، وبعد أن كانت المعلومات حصرية لأصحابها ومن بيدهم قرار كشفها، صارت متداولة ولا يمكن إيقافها أو حجبها.

فالأيام كشفت أن الأهلي مثله مثل الزمالك، وهذا بالتأكيد ليس دفاعًا عن أحدهما أو اتهامًا للآخر، ولكن إقرار واقع يرفض كثيرون الاعتراف به أو يحاولون تبريره وفقا للانتماء والأهواء، فالفارق الوحيد بين من يتواجد على أول كوبري 15 مايو ومن عند آخره، هو طريقة تناول وتداول ما يصير داخله، أما الأمور ذاتها فواحدة بل تكاد تكون متطابقة أيضًا!

وحتى لا يكون حديثنا مرسلًا دون أدلة أو أسانيد، فدعونا فقط نضع آخر 5 سنوات أمام أعيننا لنرى ونقارن الطريقة التي يدار بها أهم نشاط في الناديين وهو كرة القدم.

فعند خسارة الزمالك للقب أو مباراة نرى الاتهامات من المسئولين والجماهير تتطاير يمينًا ويسارًا تجاه التحكيم والظلم والمؤامرات و"الأعمال" وعشرات الأشياء.. ولكن ماذا عن الأهلي؟

كم مرة قرأنا وسمعنا خلال تلك الفترة عن مؤامرات من الكاف ولجان التحكيم واتحادات الكرة والإعلام والمنافسين؟ كم مرة وجدنا شماعات الإخفاق تعلق على أسباب غيبية وغرائبية أحيانا كالساعات البيولوجية وغيرها؟.. كم مرة شاهدنا أصابع الاتهام تذهب في كل الاتجاهات عدا الاعتراف بالهزيمة كجزء أصيل في الرياضة وأن هناك منافسون قد يكونون أفضل في بعض الأوقات؟!

دائما ما يعقب أي إخفاق زملكاوي سلسلة من التغييرات، وكان دائما السخرية والانتقاد للإدارة البيضاء بكثرة التغييرات الفنية، والإفراط في إبرام صفقات وذبح أجيال من اللاعبين لتحميلهم مسئولية السقوط، ويكون هناك تعداد للمدربين الذين أقيلوا وتم تغييرهم وعدم منحهم الفرصة الكاملة للبناء.

أما المثير فإن رغم تسليط الإعلام والجماهير الضوء على تلك الآفة الزملكاوية، لم يكن الأهلي أفضل حالًا، ويكفي الإشارة إلى أن الإدارة الحمراء غيرت 8 مدربين في آخر 5 سنوات، ما يجعل متوسط بقاء المدرب في منصبه لا يتجاوز الـ10 أشهر، وأن كل خسارة للقب أو مباراة مهمة يدفع مدرب ثمنها، إما لتهدئة الجمهور الذي تربى على أن الرياضة فوز فقط أيا كانت وسيلة الوصول إليه، أو لمحاولة الإدارات إبعاد تهمة الإخفاق عن نفسها بتحميل الفاتورة كاملة للأجهزة الفنية التي دائمًا ما تكون بداياتها بقصائد من المدح والتهليل!

لم يتوقف الأمر عند هذا الحد، بل إننا صرنا نرى ما هو أغرب، بالتعاقد مع عشرات اللاعبين بمئات الملايين دون أي سبب فني أو تسويقي واضح، ليتحول النادي بصحبة جاره بالتأكيد إلى "محرقة" للمواهب، ويكفي عزيزي القارئ تذكر عدد أسماء اللاعبين الصاعدين الذين تنبأنا لكثير منهم بمستقبل واعد وانتهى بهم الأمر خارج القوائم أو على الدكة أو معارين لأندية القاع، لاستبدالهم بآخرين دون الحصول على الحد الأدنى من الفرصة لإثبات نفسهم وإفادة أنديتهم ومنتخب بلادهم.

وفيما يخص الإعلام فحدث ولا حرج، فقد تحول إلى منصة للتراشق والتحارب وإثبات القوة، فأصبحنا نرى رموزا لنادي "المبادئ" تخرج لتهاجم وتتهم وتسب و"تضرب" أحيانًا على الهواء لأنها لم تعد تتحمل أو تتقبل فكرة التنافس والخسارة ومحاولات المزاحمة على الساحة بعد اتساعها!

وليس هذا فقط، فدائما ما كان ينتقد الزمالك والمحسوبين عليه بصراعاتهم الداخلية وما يسمى بـ"الشللية" للإطاحة ببعض الأسماء، وأن مشاكلهم دائما معروضة على الملأ عكس الأهلي الذي يتميز بالاحترام داخل جدرانه للجميع.

فما رأيك بما قيل على لسان رئيس النادي السابق شخصيا، بأن رحيل جاريدو عن تدريب الفريق كان بسبب مؤامرة داخلية لـ"تطفيشه" وصفها بأنها الأسوأ في تاريخ النادي، قبل أن يضيف أن رحيل بيسيرو كان وراؤه رموزًا أخرى داخل النادي، إلى جانب رحيل مارتن يول لأسباب أمنية بعد أن طالبته شركة التأمين على حياته بمغادرة مصر عقب اقتحام جماهير النادي لأرض الملعب لعدم تقبلهم فكرة خسارة الكأس أمام الزمالك.

وبعد رحيل حسام البدري لعدم رغبة الخطيب في بقائه وسوء العلاقة بين الطرفين -زميلي الملعب- و"تطفيشه" هو الآخر، جاء الدور على لاسارتي ليخرج أحد رموز النادي لمهاجمته بعد إقالته لتهدئة الجماهير أيضا، وكان الهجوم سببه فقط تصريح الرجل بأنهم يريدون الفوز دائمًا وهذا شيء لا يمكن تحقيقه!

كثير جدًا من أفكارنا والثوابت في وجداننا لم تكن بالضرورة صحيحة، ولهذا خلق الله لنا العقل والعلم، كيف نفكر ونحلل ونحكم على الأشياء وفقا للواقع وليس الأهواء والثوابت التي كشفت التجارب والأيام خطأ معظمنا.

وهنا أنا لا أطالبك بشيء ولا أسعى لتوجيه أحد في اتجاه مختلف، فالانتماء والحب هو أمر فطري وجد بداخلنا ويصعب جدًا تغييره، ولكنها فقط دعوة للتفكير والحكم على الأشياء كما هي، وأن لا نكون متناقضين مع أنفسنا أن ندافع اليوم بضراوة ونصنع تبريرات لما كنا بالأمس القريب ننتقدها بل ونسخر منها عندما يفعلها الآخر، فالدفاع عن الخطأ وتبريره هو شراكة أصيلة فيه.

فالخطأ خطأ وإن اقترفه أقرب الأحباء، والصح صح وإن فعله ألد الأعداء.




أخبار الأهلى

أخبار الزمالك